المدونة

"طبب".. إرث حضاري عريق في سلسلة جبال السروات

تقع قرية طبب في سلسلة جبال السروات بين الآكام، وعلى ضفاف وادٍ يحمل اسمها، وتُعد اليوم مركزًا إداريًّا يتبع منطقة عسير، ويضم أكثر من 150 قرية تنتشر بين عقبة شعار وعقبة الصماء وأجزاء من تهامة، وتخترق هذه القرى أودية عدة، أبرزها وادي طبب ووادي المغوث وضبوعي، فيما تحيط بها قمم جبلية معروفة مثل جبل "تهلل".
وتتميز القرية باعتدال مناخها صيفًا وبرودته شتاءً، إضافة إلى طبيعتها الزراعية الخصبة، إذ تشتهر بزراعة القمح والشعير والذرة والعدس، إلى جانب أنواع متنوعة من الفواكه والخضروات، وتعتمد في ريّها على الأمطار الغزيرة التي تهطل خلال فصلي الربيع والصيف، فضلًا عن آبار تاريخية تعود إلى عصور قديمة، مما جعلها نموذجًا بارزًا للسياحة الريفية في منطقة عسير.
ويُعد جامع طبب الأثري أحد أبرز المعالم التاريخية في القرية، حيث بُني عام 1221هـ (1806م)، ويُعد من أقدم وأكبر المساجد في الجزيرة العربية مقارنة بعمره، ويتميز المسجد بطرازه الإسلامي القديم، إذ شُيد باستخدام الحجارة المحلية، ويبلغ طوله 42 مترًا وعرضه 26 مترًا، ويضم 36 عمودًا حجريًّا مدببًا وأربعة أروقة، كما يتميز بتصميم معماري فريد يعتمد على أعمدة حجرية مقوسة تختلف عن الطراز التقليدي لمساجد عسير.
ولم يقتصر دور المسجد على أداء الشعائر الدينية، بل كان مركزًا علميًّا واجتماعيًّا مهمًّا، حيث احتضن حلقات العلم والدروس الدينية، إضافة إلى الاجتماعات القبلية والمداولات المتعلقة بالشؤون الاجتماعية والعسكرية، مما جعله منارة للعلم يقصدها العلماء وطلاب المعرفة من مختلف المناطق، وأسهم في ترسيخ الدور العلمي والديني للقرية في تلك المرحلة.
وتزخر "طبب" بعدد كبير من الحصون والقلاع والقصور الأثرية التي تنتشر في عدد من قراها، وشُيدت بالحجارة وفق الطراز المعماري التقليدي في عسير، ولا تزال شاهدة على تاريخ المنطقة السياسي والاجتماعي، ومن أبرز المعالم أيضًا "مركز آل أبونقطة المتحمي التاريخي"، الذي يضم مجموعة من القصور والحصون ومرافقها، إلى جانب مدافن تقليدية محفورة في الجبال لتخزين الحبوب، مما يعكس مستوى التنظيم الاقتصادي والمعيشي الذي تميز به سكان المنطقة قديمًا، ويقدم صورة حية لحضارة إنسان عسير عبر العصور.
وتحولت المعالم التاريخية في طبب اليوم إلى وجهات سياحية تستقطب الزوار من داخل المملكة وخارجها، بما تحمله من قيمة حضارية وثقافية، فضلًا عن طبيعتها الريفية ومزارعها الخضراء التي تعكس نمط الحياة التقليدي في عسير، وتأتي جهود تأهيل هذه المواقع ضمن الاهتمام بالحفاظ على التراث الوطني وتعزيز حضوره كأحد مكونات الهوية الثقافية للمملكة.

المصدر: واس (18 فبراير 2026م)

مقالات ذات صلة

0 0

رحلة لا تهدأ.. النحلة تنسج حكاية العسل كل يوم في جبال عسير

2026-05-22 اخبار

في اللحظة التي تتمدد فيها خيوط الفجر على جبال عسير، تستيقظ الحياة البرية على إيقاع الطبيعة الخلابة، حين تتفتح الأزهار البرية فوق المرتفعات الجبلية بألوانها المتدرجة، ليبدأ النحل رحلته اليومية بين مراعي "الضرم" و"الطلح" و"الورد البري" و"زهرة الكحلا" و"أقحوان الجبال" والأقسون الشوكي، في مشهد يعكس ثراءً بيئيًا يجعل المنطقة إحدى أبرز البيئات الحاضنة لتربية النحل وإنتاج العسل في المملكة، تزامنًا مع اليوم العالمي للنحل الذي يوافق 20 مايو من كل عام.
ومع انبلاج الصباح على سفوح عسير، تنتشر الأزهار البيضاء والبنفسجية بين النباتات الجبلية، بينما يتحرك النحل بخفة بين البراعم المتفتحة، حاملًا حبوب اللقاح والرحيق في رحلة يومية تؤدي خلالها دورًا محوريًا في تلقيح النباتات واستمرار دورة الحياة الطبيعية، قبل أن يعود مع اقتراب المساء إلى خلاياها محمّلة بخير المراعي الجبلية، لينعكس ذلك على جودة العسل الذي تشتهر به المنطقة.
ويُبرز التنوع النباتي في عسير، المدعوم بالأمطار الموسمية واعتدال الأجواء خلال الربيع، قيمة بيئية وسياحية متنامية، إذ تسهم كثافة الغطاء النباتي وتعدد مصادر الرحيق في دعم التنوع الحيوي وتعزيز استدامة نشاط تربية النحل، إلى جانب ما تمثله المراعي الطبيعية من عامل جذب لعشاق الطبيعة والباحثين عن الجمال البيئي.
وفي إطار الجهود العلمية الداعمة لهذا القطاع، تواصل جامعة الملك خالد عبر مركز أبحاث النحل ومنتجاته تعزيز الأثر البحثي المرتبط بالنحل ومنتجاته، إذ سجّل المركز أكثر من 180 بحثًا علميًا خلال الفترة 2024–2026، إلى جانب ابتكارات وبراءات اختراع في الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحيوية، وشراكات بحثية عالمية لتعزيز الاستدامة والابتكار.
وحقق المركز حضورًا دوليًا عبر جوائز ومشاركات في معارض الابتكار العالمية، وأسهم في تطوير منتجات صحية وحلول تدعم كفاءة طوائف النحل، فضلًا عن دعمه للسياحة البيئية وسياحة العسل بالمنطقة، وتأهيل الباحثين والكوادر الوطنية في علوم النحل، بما يعكس تكامل الجهود البحثية والبيئية لتعزيز استدامة هذا القطاع الحيوي.
وترسخ هذه الجهود، بالتزامن مع مناسبة اليوم العالمي للنحل، أهمية المحافظة على النحل بوصفه عنصرًا أساسيًا في الأمن الغذائي والتوازن البيئي، وداعمًا رئيسًا للتنوع النباتي الذي تزخر به المرتفعات الجبلية.

المصدر: واس (21 مايو 2026م)

0 0

مليون شجرة بُن حتى عام 2028م ترسم مستقبل عسير الزراعي وتدعم الاقتصاد الجبلي

2026-05-19 اخبار

تواصل منطقة عسير ترسيخ حضورها بوصفها إحدى أبرز مناطق إنتاج البن السعودي، عبر مستهدف طموح لزراعة مليون شجرة بُن خلال الأعوام 2026 – 2028، ضمن جهود تنمية الغطاء النباتي وتمكين الاقتصاد الجبلي، في خطوة تعكس التحول المتسارع الذي يشهده القطاع الزراعي في المنطقة، إذ أعلنت جمعية البن بمنطقة عسير، بالشراكة مع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، إطلاق البرنامج ضمن مبادرة تنمية الجبال المنتجة "اقتصاد الجبل"، الهادفة إلى تعزيز استدامة الموارد الطبيعية، وتمكين المزارعين، وتنمية اقتصاد المحافظات الجبلية.
ويأتي هذا التوجه امتدادًا للنمو المتسارع الذي شهده قطاع البن خلال الأعوام الماضية، بعد زراعة أكثر من (634) ألف شجرة بُن بين عامي 2022 و2025، في مؤشر يعكس تصاعد الاستثمار الزراعي في هذا القطاع الواعد، واتساع نطاق زراعته لأكثر من (7000) هكتار موزعة على (14) محافظة بالمنطقة.
وتشير التقديرات إلى أن الطاقة الإنتاجية السنوية للقطاع تصل إلى نحو (1500) طن من البن الكرزي، و(500) طن من البن الأخضر الصافي، ما يعزز فرص بناء صناعة زراعية ذات قيمة مضافة، خاصة في ظل تنامي الطلب على البن عالي الجودة في الأسواق العالمية، وارتفاع الاهتمام بالمنتجات المحلية ذات الهوية المميزة.
ويعكس التوسع في زراعة البن أثرًا اقتصاديًا مباشرًا على المجتمعات المحلية، حيث تجاوز عدد المزارع النشطة (1400) مزرعة، مع نمو متواصل في أعدادها، بما يسهم في رفع مستوى الدخل للأسر الريفية، وتوفير فرص عمل، وتنشيط الحركة الاقتصادية في المحافظات الجبلية، إلى جانب الحد من الهجرة نحو المدن.
ويرتكز تطوير قطاع البن في عسير على حزمة من المبادرات التي تشمل بناء البنية الزراعية، وتطوير سلاسل القيمة، ورفع كفاءة المزارعين، وتحسين جودة الإنتاج واستدامته، بما يسهم في تعزيز تنافسية المنتج السعودي وفتح قنوات تسويقية أوسع محليًا وعالميًا.
وأشارت رئيسة جمعية البن بمنطقة عسير نورة آل عائض، في حديث لوكالة الأنباء السعودية "واس" إلى أن هذا البرنامج يمثل تحولًا نوعيًا في قطاع البن، وينتقل به من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التوسع والاستدامة، بما يعزز دور المنطقة في الاقتصاد الزراعي الوطني، ويؤسس نموذجًا تنمويًا متكاملًا يجمع البيئة والاقتصاد والإنسان.
وتحتضن منطقة عسير عدة أنشطة سنوية لتعزيز وتطوير آليات زراعة البن وتسويقه محليًا ودوليًا، من أبرزها مهرجان البن بمحافظة رجال ألمع الذي أقيمت دورته الثالثة أواخر شهر أبريل المنصرم وتضمنت عرض 10 أطنان من البن، بمشاركة 15 علامة تجارية و30 مزارعًا من عسير وجازان والباحة، قدموا 17 محصولًا مختصًا من إنتاج البن السعودي المحلي، كذلك نُظم أول مزاد للبن السعودي بسعر بلغ 1400 ريال للكيلو، واحتضن المهرجان ورشة متخصصة في اقتصاديات البن، إلى جانب 3 لقاءات حوارية، وشهد توقيع 3 شراكات تناولت واقع القطاع وفرص تطويره.
ويمثّل برنامج زراعة مليون شجرة بن سعودي خطوة نحو بناء نموذج وطني متكامل يجمع الأبعاد البيئية والاقتصادية والإنسانية، ويسهم في تنويع مصادر الدخل، ودعم الصادرات غير النفطية، بما يتماشى مع مستهدفات التنمية المستدامة، ويعزز حضور البن السعودي بصفته أحد المنتجات الواعدة في الأسواق العالمية.

المصدر: واس (18 مايو 2026م)

التعليقات (0)

اضف تعليق